أطروحات حول الثورة في روسيا
أطروحات حول الثورة في روسيا
ملاحظة المحررين: كانت الأطروحات التالية حصيلة نقاشٍ مستفيض بين المحررين وفريدو كورفو (من موقع leftdis.wordpress.com) وأنيبال (من موقع inter-rev.foroactivo.com). وكان أكثر الاستنتاجات التي جرى التوصل إليها حسمًا هو أن مرحلة الثورة والثورة المضادة في روسيا تحددت بالأخطاء النظرية للبلشفية، وبالتأثير الخارجي الذي مارسه الوضع العالمي، لا بالطابع الزراعي للاقتصاد الروسي، كما افترض حزب العمال الشيوعي الألماني (KAPD)، ثم مجموعة الشيوعيين الأمميين (GIC) لاحقًا. وتمثّل خطأ الشيوعيين المجالسيين الأوائل في تنظير غير مكتمل للإمبريالية؛ فبدون تطبيق المبادئ التي وضعها غورتر وبانيكوك في تحليلهما للحرب العالمية الأولى على الثورة في روسيا، أخطأوا حين اعتبروا الفلاحين القوة الحاملة للثورة المضادة. وقد جرى تقنين هذا الخطأ رسميًا في كتاب هيلموت فاغنر أطروحات حول البلشفية، الذي أعلن أن: «البلشفية، من حيث المبدأ والتكتيك والتنظيم، هي حركة ومنهج للثورة البرجوازية في بلد تسوده الفلاحة» (§66). عند صياغة هذه الأطروحات، سعينا نحن (M.S., S.S.) إلى اتخاذ خطوة نحو استكمال نظرية الشيوعيين المجالسيين الأوائل حول الإمبريالية، وعرضها على أنظار الوسط الأممي.
مقدمة: تُعدّ الأطروحات التالية حصيلةً أوليةً لنقاش دار بين بعض الرفاق، وتعكس الاتفاقات التي توصّلوا إليها. وبناءً على ذلك، فقد تمّ توضيح بعض المسائل، بينما لا تزال مسائل أخرى بحاجة إلى نقاش. تركّز هذه الأطروحات على الإمبريالية والعزلة بوصفهما عاملين مهمَّيْن في الثورة الروسية. وهي لا تتناول الثورة المضادة الداخلية التي شنّتها البلشفية في السلطة، ولا أخطاءَهم في ما يخص رأسمالية الدولة، ولا جرائمَهم ضد الطبقة العاملة.
1- الإمبريالية ليست خيارًا سياسيًا تتخذه دولة بعينها، بل هي المرحلة التاريخية من تطور الرأسمالية التي يعتمد فيها التراكم على السوق العالمية، وتكون فيها جميع الدول مرتبطةً بالتراكم الرأسمالي. وفي هذه المرحلة، لا تستطيع أي دولة قومية (ولا أي فصيل برجوازي) أن تنأى بنفسها عن المنافسة بين الدول والعسكرة الدائمة، بصرف النظر عن تمثيلها الأيديولوجي لذاتها.
2- مثّلت الحرب العالمية الأولى الانتقال الحاسم للرأسمالية إلى مرحلة الإمبريالية. وكانت نتيجةً لاستكمال الغزو الرأسمالي لأهم مناطق العالم، أي نهاية التوسع الاستعماري قرابة عام 1900. وأصبحت جميع رؤوس الأموال الوطنية في مواجهة محتومة بعضها مع بعض، لأن الديناميكية المتأصلة في الرأسمالية المعولمة تقوم على النزاعات حول الأسواق والأقاليم والسيطرة العسكرية الاستراتيجية ومصادر المواد الخام والطاقة والتحكم في تدفقات العمالة. أبرمت الدول معاهدات مع دول أخرى، وفي النهاية برزت كتلتان تواجهتا على نطاق عالمي. ويحدّد كل رأس مال وكل فصيل برجوازي موقعه داخل رأس المال الوطني، ويختار إحدى الكتلتين ضد الأخرى، سعيًا إلى جني أكبر قدر ممكن من المكاسب من إعادة تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ رأسمالية عبر الحرب الإمبريالية. ولهذه الغاية، يقدّم كل فصيل من البرجوازية 'بروليتارياه' قربانًا للاستغلال المكثف والصدمات والموت. لذلك، ليست الحروب الإمبريالية انحرافات خارجية عن التطور الرأسمالي، بل شكلًا مكثفًا من التنافس بين الدول. فالحرب لا تحلّ التناقضات الرأسمالية؛ وإنما تعيد توزيع علاقات القوة والأقاليم والموارد والمواقع الاستراتيجية، وتُزيح التناقضات مؤقتًا أو تُعيد تشكيلها ضمن شروط اقتصادية وسياسية وعسكرية محددة. وكل نظرية للثورة أو للصراع الطبقي تتجاهل هذه الحقيقة أو تستبعدها من تحليلها هي بالضرورة ناقصة. [1]
3- لا يمكن فهم ثورتي 1905 و1917 فهمًا أوليًا ضمن إطار قومي. فقد كانتا محطتين في أزمة النظام الإمبريالي العالمي التي افتتحها استكمال الإخضاع الرأسمالي للعالم قرابة عام 1900. هزّت الحرب الروسية اليابانية، 1904-1905 الدول الاستعمارية لأنها أظهرت أن دولة غير أوروبية يمكن أن تكون استعمارية، بل بالأحرى إمبريالية. وأدّت نتائج هذه الحرب إلى ثورة 1905. وكانت ثورة أكتوبر 19017 ثورةً سياسية بروليتارية تحديدًا لأنها عبّرت عن استجابةٍ طبقية أممية للحرب الإمبريالية، لا بسبب مستوى التطور الاقتصادي لروسيا إذا أُخذ بمعزل عن سياقه.
4- مثّلت ثورتا عامي 1905 وفبراير 1917 ضعفًا، وانهيارًا على التوالي، لأشكال الدولة القيصرية تحت ضغط الحرب والتناقضات الرأسمالية، وأعقبت ذلك محاولاتٌ لتقوية الدولة الإمبريالية عبر بعض "الإصلاحات" السياسية. ومثّل أكتوبر 1917 محاولة البروليتاريا لكسر هذه الديناميكية بتحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب طبقية. وظل التناقض بين البرجوازية والبروليتاريا قائمًا، لكن النتيجة تحددت بتوازن القوى الطبقية: فحيث فشلت مجالس العمال في ترسيخ سلطة البروليتاريا الحصرية، أعادت القوى البرجوازية والبرجوازية الصغيرة تشكيل سلطة الدولة في شكل السوفناركوم.[2]
5- في المرحلة الإمبريالية، يفقد المخطط الكلاسيكي للثورات البرجوازية قيمته التفسيرية المركزية. فبمجرد أن تغدو الرأسمالية مهيمنة على الصعيد العالمي، لا تعود ثمة "مهام برجوازية غير مكتملة" تفسح المجال أمام نظام تاريخي جديد من التطور الرأسمالي التقدمي، بالمعنى الكلاسيكي؛ إذ تُعيد عمليات إعادة هيكلة الدولة والمؤسسات اللاحقة إنتاج النظام الإمبريالي نفسه.
6- تُعدّ الأممية شرطًا ماديًا لانتصار البروليتاريا في المرحلة الإمبريالية. فقد اعتمدت نتيجة ثورة أكتوبر على امتدادها خارج الحدود القومية؛ وعكست عزلتها الهزيمة الأممية للطبقة العاملة. مع ذلك، لا ينبغي للعزلة على المستوى العالمي أن تُخفي مواطن الضعف الداخلية للبروليتاريا الروسية ككل (مثل تنازلها عن السلطة من المجالس إلى السوفناركوم) ولدى أقليتها، أي الحزب البلشفي، (مثل نظرية «الإشتراكية الدولاتية» الخاطئة).
7- كان إنحطاط الثورة الروسية وتوطيد رأسمالية الدولة متجذرين في العزلة المادية والهزيمة الأممية، لكنهما توسّطا أيضًا سياسيًا من خلال الخط الاستراتيجي للأممية الثالثة، (ولا سيما في 1920-1921)، الذي أخضع على نحو متزايد الاستراتيجية البروليتارية الأممية لسياسة الدولة الروسية.
8- يعيد التنافس المعاصر بين الإمبرياليات، على صعيد تقني وتاريخي أعلى، إنتاج المشكلات الاستراتيجية نفسها التي واجهتها البروليتاريا في الفترة 1914-1918: الضغط على الطبقة العاملة لدعم كتلةٍ ضد أخرى. وإن تحليل الصراع الطبقي الذي يستبعد مفهوم الإمبريالية يُنتج تخبطًا سياسيًا.
9- يُقيَّم العمل التاريخي والنظري بناءً على إسهامه في تحقيق الوضوح والتنظيم لدى الطبقة العاملة في ظل الشروط الإمبريالية الراهنة. ولا يستبعد هذا البحث غير الآني، بل يضع كلاً من البحث قصير المدى والبحث طويل المدى ضمن أفق طبقي. والسؤال الحاسم ليس كيفية تصنيف أحداث عام 1917 ضمن المخططات الموروثة، بل ما إذا كانت النظرية الراهنة تُهيّئ الطبقة العاملة لمواجهة الحرب الإمبريالية عبر خط طبقي أممي.
M.S., S.S., F.C., أنيبال
الهوامش
[1] لإثبات هذه الضرورة للطوباويين الإشتراكيين، ليس من الضروري إطلاقًا الادعاء بأن الرأسمالية لا تستطيع الاستمرار من دون توسع. فهذا التوسع، أي فتح أجزاء أخرى من العالم بوصفها أسواقًا ومصادر للمواد الخام، وأخيرًا خزاناتٍ للعمالة، عرفته جميع مراحل الرأسمالية، لكنه لا يتخذ إلا الآن طابعًا عملاقًا آخذًا في التعاظم. الإمبريالية هي شكل التوسع الخاص بالعصر الذي أصبح فيه إنتاج وسائل الإنتاج أهم فروع الصناعة وأكثرها هيمنة. إن هيمنة صناعات الحديد والصلب تستلزم سياسة تختلف عن تلك التي استلزمتها الهيمنة السابقة لصناعة النسيج. ويتطلب استخراج خام الحديد في المغرب مشروعًا رأسماليًا ضخمًا، وهذا بدوره يتطلب الهيمنة السياسية للحكومة الفرنسية في المغرب. كما أن تصدير القاطرات والقضبان والمدافع إلى تركيا يقتضي بناء خطوط للسكك الحديدية، وبالتالي يقتضي سيطرةً سياسية، مباشرة أو غير مباشرة، لرأس المال الألماني في تلك البلدان. وهذا ضروري أيضًا لاستبعاد المنافسين. ولا يمكن الحصول على هذه الهيمنة السياسية أو الدفاع عنها بأي وسيلة أخرى غير تنمية القوة والإكراه والتسلح والقوة العسكرية وبناء الأساطيل. لماذا تكون هذه الإمبريالية ضرورية؟ ليس لأن الرأسمالية ستفلس اقتصاديًا، أو لأنها لا تستطيع الاستمرار من دون الإمبريالية، ولا بسبب وجود زمر حاكمة إقطاعية-عسكرية. بل ببساطة لأن كبار الرأسماليين يريدون هذه الإمبريالية. إنهم يريدونها لأنها تصب في مصلحتهم، ولأنهم يجنون منها أموالًا طائلة. ويستطيعون فعل ذلك لأنهم الأقوى ولأنهم يسيطرون على الرأسمالية بأسرها. قال كاوتسكي مرة إن الإمبريالية مسألة قوة. [...] وهذا صحيح، ولكن ليس بالمعنى الذي قصده. فقد قال: ليست الإمبريالية مسألة ضرورة، بل مسألة قوة؛ وكان يقصد بذلك أن الرأسماليين الآخرين، الذين لا مصلحة لهم في الإمبريالية، يستطيعون أن يضعوا لها حدًا فجأة بمجرد أن يوجهوا قوتهم ضد الإمبرياليين. ومن الناحية النظرية، كان ذلك ممكنًا بالتأكيد؛ لكن حقيقة عدم حدوثه عملياً، بل على العكس، استمرار الإمبريالية في التوسع، أظهرت وجود خلل في النظرية. ومرة أخرى، قارن بين شيئين متلازمين. قال: الإمبريالية ليست ضرورية، بل هي مسألة قوة. ونقول نحن: الإمبريالية مسألة قوة، ولذلك فهي ضرورة. لقد عزّز تطور الرأسمالية قوة الشركات الكبرى، التي تسعى إلى الإمبريالية، وزادها، وأضعف باطراد مقاومة البرجوازية الصغيرة، بل ومقاومة العمال أيضًا. ولهذا أصبحت الإمبريالية اليوم هي الغالبة، أي الضرورية. والسبب هو أن هذه القوة ونموها ليسا من قبيل الصدفة، كما أن النمو الأبطأ والمستقبلي لقوة البروليتاريا، التي تعتمد عليها الاشتراكية، ليس من قبيل الصدفة أيضًا. فكلاهما ينبع من التطور الاقتصادي للرأسمالية الحديثة. - أنطون بانيكوك، "الضرورة الإقتصادية للإمبريالية"، 1916
[2] مجلس مفوضي الشعب