السياسة الشيوعية الإيرلندية - أنطون بانيكوك
السياسة الشيوعية الإيرلندية - أنطون بانيكوك
رفيقتي العزيزة
لقد قرأتُ بارتياح كبير مقالتكِ عن برنامج الحزب الشيوعي الأيرلندي، وأعتقد أنكِ محقّةٌ تمامًا في وصفه بأنه برنامج غير شيوعي. إن جوهر الفكر الشيوعي هو أن التحوّل الكبير للمجتمع من الرأسمالية إلى الشيوعية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الجهود المشتركة للعمال أنفسهم، بحيث يعمل كلٌّ منهم من موقعه في عملية الإنتاج.
إن الاعتقاد بأن قوةً خارجية، أي الدولة، يمكنها أن تُنجز هذا التحوّل للعمال بواسطة المراسيم والقوانين هو اعتقاد اشتراكي ديمقراطي—بل إن أكثر الاشتراكيين الديمقراطيين ضيقًا في الأفق وحدهم هم الذين يؤمنون به؛ فقد كان معظم الاشتراكيين الديمقراطيين في الأزمنة السابقة يدركون جيدًا أن القوة الرئيسية للتحوّل لا بد أن تأتي من الأسفل.
الدولة ليست كيانًا خارقًا للطبيعة؛ إنها جماعة منظمة من السياسيين والقادة والمسؤولين مسنودين بالقوة المسلحة. والاعتقاد بأن الدولة قادرة على إرساء الشيوعية بالوسائل التشريعية يعني الاعتقاد بأن هذه الجماعة الصغيرة من المسؤولين والقادة تستطيع، بفضل حكمتها، إنقاذ جماهير العمال من العبودية — وأن كل ما يتعين على هؤلاء العمال فعله هو التصويت لهم. وقد أثبتت التجربة الألمانية أن وضع قادة الحركة العمالية على رأس الدولة ليس سوى تغييرٍ للحكام، وهو تغيير لا يمكن أن يُحدث أي ثورة حقيقية.
من ناحية أخرى، أظهرت روسيا في السنوات الأولى للثورة أنه بعد أن كان العمال قد انتزعوا السلطة بالفعل في الورش والجيش وعلى الأرض، من خلال لجانهم، أمكن إنجاز الثورة بالاستيلاء على سلطة الدولة — أي إن هذا النشاط برمّته كان مركزيًا وموحّدًا ومنظّمًا من قِبل هيئات مركزية، وشكّل كيانًا موحّدًا قويًا في مواجهة هجمات الجانب الرأسمالي.
إن برنامج الحزب الشيوعي الأيرلندي ليس غير شيوعي لمجرد أنه يعوّل على الدولة في كل شيء، بل أيضًا لأنه لا يطلب من هذه الدولة سوى الإصلاحات. ولو أنه تضمّن تدابير للقضاء على الاستغلال الرأسمالي وإرساء الملكية الشيوعية، لكان شيوعيًا في أهدافه، وإن لم يكن شيوعيًا في وسائله وطرائقه. لكنه لا يفعل حتى ذلك. فهو يفترض وجود سلطة دولة يحكمها العمال—إذ إن انتظار هذه التدابير من دولة يحكمها الرأسماليون محض هراء—في حين لا تزال المشاريع الخاصة تهيمن على المجال الاقتصادي؛ لكنه لا يستخدم سلطة الدولة هذه لمهاجمة المشاريع الخاصة وتدميرها، بل لإصلاحها بحيث تصبح ظروفها أقل قسوة على العمال. ولعل نموذج هذا البرنامج يكمن في الظروف الروسية، حيث يسعى الحزب الشيوعي إلى الحفاظ على على هيمنته السياسية، في الوقت الذي يضطر فيه إلى السماح للمشاريع الرأسمالية بالنمو. لكن يمكننا أن نجد جذوره أيضًا في ظروفنا الخاصة، في أوروبا الغربية. فهو يحاول الجمع بين مصالح الطبقة العاملة في الإصلاحات ومصالح البرجوازية الصغيرة. إذ يعد، من خلال ملكية الدولة للبنوك والسكك الحديدية والصناعات الكبرى، بتحرير المشاريع الصغيرة من الهيمنة الساحقة للتمويل الكبير والصناعة الثقيلة. ولهذا السبب لا يعلن إلغاء الملكية الخاصة: فهو يريد أن يأكل من كعكتين. وفي الوقت نفسه، لا يحاول استمالة العمال فقط من خلال المثل العليا العظيمة للشيوعية والثورة، التي لا يكترث لها في الوقت الراهن جماهير العمال، والتي تتطلب نشرها جهودًا مضنية ووقتًا طويلًا. بل يحاول أيضًا استمالة الطبقة البرجوازية الصغيرة، وكذلك جماهير العمال ذوي العقلية البرجوازية الصغيرة. وهو يحاول استمالة هاتين الطبقتين في وقت قصير، لا برفع مستوى تفكيرهما إلى آفاق الشيوعية العظيمة، عبر التغلب على ضيق أفقهما البرجوازي، بل بإغرائهما ببرنامج لعالم رأسمالي صغير مُصلح، ينسجم تمامًا مع أفكارهما الموروثة.
إنها ليست سوى «الاشتراكية النيوزيلندية» التي ظهرت قبل عشرين عامًا، والتي إبتكرها إصلاحيون برجوازيون أرادوا الاستعانة بالطبقة العاملة الصغيرة في مواجهة رأس المال المالي الأجنبي، مما أدى إلى خنق الصراع الطبقي وحرية تنقّل العمال.
في أيرلندا، تتجذّر هذه الظاهرة في التخلف الاقتصادي للبلاد، بما يتسم به من طبقة عاملة صغيرة، وجماهير غفيرة من البرجوازية الصغيرة، وأعداد كبيرة من صغار ملاك الأراضي والعمال الذين يأملون في أن يصبحوا ملاكًا صغارًا. وهي تسعى إلى أن تمنح هذه الفئات برنامجًا مشتركًا، وهو برنامج لا يمكن، بطبيعة الحال، أن يكون شيوعيًا.
ربما يُقال إنه بما أن الشيوعية غير ممكنة بعد في مثل هذا البلد، فإن برنامج إقامة مجتمع مُصلح قائم على المشاريع الصغيرة التي تسيطر عليها الطبقة العاملة، يُفضَّل على كل ما عداه، ويمثل أفضل مخرج ممكن. لكن فكرة إقامة مجتمع مستقر على أساس التعاون السلمي بين الطبقات هي وهم. وقد بيّنتِ ذلك بالفعل في مقالتكِ بشأن سيطرة العمال.
تنطبق الاستحالة نفسها على البطالة. إذ يُطالَب بتوفير «إعالة كاملة للعاطلين عن العمل وفقًا لمعدلات الأجور النقابية». فمن أين ستأتي الدولة بالأموال اللازمة لهذا البرنامج؟ لا بد أن تأتي الأموال بطريقة أو بأخرى من الإنتاج؛ فإما أن تأتي من أرباح الصناعات الحكومية، وإما من الضرائب التي تدفعها المشاريع الصغيرة. وبالطبع، لن يرضى هؤلاء الرأسماليون بدفع مثل هذه المعدلات للعاطلين عن العمل؛ بل سيحاولون خفضها، من أجل إعادة الضغط الذي تسببه البطالة على الأجور. وهنا ينشأ العداء الطبيعي والأساسي بين الطبقات، والتعارض الرئيسي بين مصالحها، واستحالة توحيد جهودها سلميًا. وما دام المشروع الخاص قائمًا، فلا بد أن يحاول الصمود في وجه المنافسة من خلال خفض تكلفة الإنتاج، وإلا أفلِس. ولا يمكنه أن يكتفي بتأمين مستوى معيشي ثابت للعمال.
في عام ١٨٤٨، في باريس، كان دفع الإعانات للعاطلين عن العمل السبب الرئيسي في غضب أصحاب المتاجر وغيرهم من البرجوازيين الصغار على «الذين لا يفعلون شيئًا»، مما دفعهم إلى قمع ثورة البروليتاريا في مذبحة يونيو. لكن من وجهة النظر الشيوعية أيضًا، فإن إبقاء العمال عاطلين عن العمل ودفع مخصصات لهم مدى الحياة ليس أمرًا صحيحًا. فالشيوعية تعني إنتاج وفرة من المنتجات النافعة، وإبقاء أشخاص يرغبون في العمل عاطلين عنه يُبدّد موارد المجتمع. ولن يتركهم المجتمع الشيوعي عاطلين عن العمل، بل سيُمكّنهم من الإنتاج للمجتمع، وبذلك ينتجون لأنفسهم وللآخرين ويسهمون في زيادة الثروة العامة.
وبالتالي، فإن ما يُسمّى بالبرنامج الشيوعي ليس برنامج الشيوعيين الراغبين في أن يبيّنوا للعمال الطريق الصعب، لكنه الطريق الوحيد الحقيقي إلى الحرية؛ بل هو برنامج السياسيين الراغبين في كسب جماهير غفيرة من الأنصار المنتمين إلى مختلف الطبقات الفقيرة، من خلال برنامج إصلاحات ينطوي على تحالف بين العمال وصغار المزارعين والبرجوازية الصغيرة.
ما ذكرتموه عن نتائج التحالف في دول أوروبا الشرقية والوسطى يُظهر أن هذا التحالف يستغل قوة البروليتاريا لتعزيز تكوين طبقة كبيرة من صغار ملاك الأراضي، المعادية بشدة لأي شكل من أشكال الشيوعية، وبذلك يلقي العقبات في طريق الشيوعية. بل إنه يفعل أكثر من ذلك، إذ يملأ عقول العمال بالأوهام، ويصرف أنظارهم عن الطريق الوحيد إلى الحرية: طريق الصراع الطبقي، والوعي الطبقي الواضح، والثقة بقدرتهم الذاتية.
وتفضّلي بقبول فائق الاحترام،
أنطون بانيكوك