مجالس العمال -أنطون بانيكوك
مجالس العمال -أنطون بانيكوك
في نضالاتها الثورية، تحتاج الطبقة العاملة إلى التنظيم. فعندما يتعين على الجماهير الغفيرة أن تعمل كوحدة واحدة، يصبح من الضروري وجود آلية للتفاهم والنقاش، ولصنع القرارات وإصدارها، ولإعلان الأفعال والأهداف.
لا يعني هذا، بالطبع، أن جميع التحركات الكبرى والإضرابات العامة تُنفذ بانضباط عسكري، وفقًا لقرارات مجلس مركزي. صحيح أن مثل هذه الحالات قد تحدث، لكن في أغلب الأحيان، بدافع روحهم النضالية العالية، وتضامنهم، وحماسهم، تندلع الإضرابات بين الجماهير لمساعدة رفاقهم، أو للاحتجاج على فظائع الرأسمالية، دون خطة عامة. حينها ينتشر هذا الإضراب كالنار في الهشيم في أرجاء البلاد.
في الثورة الروسية الأولى، تذبذبت موجات الإضرابات بين الصعود والهبوط. وغالباً ما كانت أنجحها تلك التي لم يتم اتخاذ قرار مسبق بشأنها، بينما فشلت الإضرابات التي أعلنتها اللجان المركزية في كثير من الأحيان.
يسعى المضربون، بمجرد انخراطهم في النضال، إلى التواصل والتفاهم المتبادلين للتوحد في قوة منظمة. وهنا تبرز صعوبة. فبدون تنظيم قوي، وبدون توحيد الجهود وربط إرادتهم في كيان واحد متماسك، وبدون توحيد عملهم في هدف مشترك، لا يمكنهم الانتصار على التنظيم القوي للسلطة الرأسمالية. ولكن عندما يتحد آلاف وملايين العمال في كيان واحد، لا يمكن إدارة هذا الكيان إلا من قبل مسؤولين يعملون كممثلين للأعضاء. وقد رأينا أن هؤلاء المسؤولين يصبحون حينها سادة التنظيم، بمصالح تتعارض مع المصالح الثورية للعمال.
كيف يمكن للطبقة العاملة، في نضالاتها الثورية، أن توحد قوتها في منظمة كبيرة دون أن تقع في براثن البيروقراطية؟ يكمن الجواب في طرح سؤال آخر: إذا كان كل ما يفعله العمال هو تسديد اشتراكاتهم التنظيمية والامتثال لأوامر قادتهم بالخروج والعودة، فهل هم أنفسهم يخوضون نضالهم من أجل الحرية حقاً؟
إن النضال من أجل الحرية لا يعني ترك القادة يفكرون ويقررون نيابةً عنك، أو اتباعهم طاعةً، أو توبيخهم بين الحين والآخر. بل يعني النضال من أجل الحرية المشاركة بكل ما أوتيت من قوة، والتفكير واتخاذ القرارات بنفسك، وتحمل جميع المسؤوليات كفرد مستقل بين رفاق متساوين. صحيح أن التفكير المستقل، والبحث عن ما هو صحيح و صائب بعقلٍ منهكٍ من التعب، هو أصعب وأقسى مهمة؛ إنه أصعب بكثير من أن تدفع وتطيع. ولكنه السبيل الوحيد للحرية. أن تتحرر على يد الآخرين، الذين تُعدّ قيادتهم جوهر التحرر، يعني اكتساب أسياد جدد بدلاً من الأسياد القدامى.
إن الحرية، هدف العمال، تعني قدرتهم، فرداً فرداً، على إدارة العالم، واستخدام ثروات الأرض والتعامل معها، لجعلها موطناً سعيداً للجميع. كيف لهم أن يضمنوا ذلك إن لم يكونوا قادرين على غزو هذا العالم والدفاع عنه بأنفسهم؟ إن الثورة البروليتارية ليست مجرد انتصار على السلطة الرأسمالية، بل هي نهضة الشعب العامل بأكمله من التبعية والجهل إلى الاستقلال والوعي الواضح بكيفية بناء حياته.
إن الثورة البروليتارية ليست مجرد انتصار على السلطة الرأسمالية، بل هي نهضة الشعب العامل بأكمله من التبعية والجهل إلى الاستقلال والوعي الواضح بكيفية بناء حياته.
التنظيم الحقيقي، كما يحتاجه العمال في الثورة، يستلزم مشاركة الجميع فيه، بجسدهم وروحهم وعقلهم؛ مشاركة كل فرد في القيادة والعمل، والتفكير واتخاذ القرار والتنفيذ بكامل طاقته. هذا التنظيم هو هيئة من الأفراد ذوي الاستقلالية. لا مكان فيه للقادة المحترفين. صحيح أن هناك طاعة؛ على كل فرد اتباع القرارات التي شارك في صنعها. لكن السلطة الكاملة تبقى دائماً في يد العمال أنفسهم.
هل يمكن تحقيق هذا الشكل من التنظيم؟ ما هو هيكله؟ ليس من الضروري بناؤه أو التفكير فيه، فالتاريخ قد أنتجه بالفعل. لقد انبثق من ممارسة الصراع الطبقي. نجد نموذجه الأولي، وأثره الأول، في لجان الإضراب. في الإضرابات الكبيرة، لا يستطيع جميع العمال الاجتماع في اجتماع واحد، فيختارون مندوبين للعمل كلجنة. هذه اللجنة ليست سوى الجهاز التنفيذي للمضربين، فهي على اتصال دائم بهم، وعليها تنفيذ قراراتهم. يمكن استبدال أي مندوب في أي لحظة، فلا تصبح هذه اللجنة سلطة مستقلة. بهذه الطريقة، يمكن ضمان العمل الجماعي كهيئة واحدة، ومع ذلك تبقى جميع القرارات بأيدي العمال. عادةً في الإضرابات، تُنتزع القيادة العليا من أيدي هذه اللجان لتؤول إلى النقابات العمالية وقادتها.
خلال الثورة الروسية، عندما اندلعت الإضرابات بشكل متقطع في المصانع، انتخب المضربون مندوبين، اجتمعوا على مستوى المدينة بأكملها، أو على مستوى الصناعة أو السكك الحديدية، أو على مستوى الدولة أو المقاطعة، لتوحيد صفوفهم في النضال. وكان عليهم مناقشة الشؤون السياسية وتولي مهام سياسية فورًا، لأن الإضرابات كانت موجهة ضد القيصرية. سُميت هذه المجالس بالسوفيتات، أي المجالس العمالية. وفي هذه المجالس، نُوقشت جميع تفاصيل الوضع، ومصالح العمال، والأحداث السياسية. وكان المندوبون يتنقلون باستمرار بين الجمعية ومصانعهم. وفي المصانع والورش، كان العمال، في اجتماعات عامة، يناقشون نفس الأمور، ويتخذون قراراتهم، وكثيرًا ما يرسلون مندوبين جدد. وعُيّن اشتراكيون أكفاء كسكرتيرين، لتقديم المشورة بناءً على خبرتهم الواسعة. وكثيرًا ما اضطرت هذه المجالس إلى العمل كقوى سياسية، كنوع من الحكومة البدائية، عندما كانت السلطة القيصرية مشلولة، وعندما لم يكن المسؤولون والضباط يعرفون ماذا يفعلون، فتركوا لهم زمام الأمور. وهكذا أصبحت هذه المجالس المركز الدائم للثورة. تألفت هذه المجالس من مندوبين يمثلون جميع المصانع، سواء المضربة منها أو العاملة. لم يكن ليخطر ببالهم أن يصبحوا قوة مستقلة. كان أعضاؤها يتغيرون باستمرار، وأحيانًا كان يتم اعتقال المجلس بأكمله واستبداله بمندوبين جدد. علاوة على ذلك، كانوا يدركون أن قوتهم مستمدة من إرادة العمال في الإضراب أو عدمه؛ وكثيرًا ما كانت دعواتهم تُتجاهل عندما لا تتوافق مع مشاعر العمال الفطرية بالقوة أو الضعف، بالعاطفة أو الحكمة. وهكذا، أثبت نظام المجالس أنه الشكل الأمثل لتنظيم الطبقة العاملة الثورية. في عام ١٩١٧، تم اعتماده فورًا في روسيا، ونشأت مجالس العمال والجنود في كل مكان، وكانت القوة الدافعة للثورة.
وقدّمت ألمانيا الدليل المكمّل. ففي عام ١٩١٨، وبعد انهيار السلطة العسكرية، تأسست مجالس العمال والجنود على غرار روسيا. لكن العمال الألمان، الذين تربّوا على انضباط الحزب والنقابة، و المشبّعون بأفكار الاشتراكية الديمقراطية عن الجمهورية والإصلاح كأهداف سياسية مستقبلية، اختاروا مسؤولي حزبهم ونقاباتهم كمندوبين في هذه المجالس. وعندما ناضلوا وتحركوا بأنفسهم، تصرفوا وناضلوا بالطريقة الصحيحة، لكن بسبب افتقارهم للثقة بالنفس، اختاروا قادةً مفعمين بالأفكار الرأسمالية، وهؤلاء كانوا دائمًا ما يفسدون الأمور. ومن الطبيعي أن يقرر “مؤتمر المجلس” حينها التنازل عن السلطة لصالح برلمان جديد، يُنتخب في أسرع وقت ممكن.
هنا اتضح جلياً أن نظام المجالس هو الشكل التنظيمي الملائم للطبقة العاملة الثورية فقط. إذا لم يكن العمال يعتزمون مواصلة الثورة، فلا حاجة لهم بالمجالس العمالية. وإذا لم يبلغ العمال بعدُ مرحلة النضج الكافية لرؤية طريق الثورة، وإذا كانوا راضين بقيام القادة بكل أعمال الخطب الرنانة والوساطة والتفاوض على الإصلاحات في ظل النظام الرأسمالي، فإن البرلمانات ومؤتمرات الأحزاب والنقابات - التي تُسمى برلمانات العمال لأنها تعمل وفق المبدأ نفسه - هي كل ما يحتاجونه. أما إذا ناضلوا بكل طاقاتهم من أجل الثورة، وإذا شاركوا بحماس وشغف شديدين في كل حدث وإذا فكروا ملياً وقرروا بأنفسهم جميع تفاصيل النضال لأنهم هم من سيخوضونه، فإن مجالس العمال هي التنظيم الذي يحتاجونه.
هذا يعني ضمناً أن المجالس العمالية لا يمكن أن تُشكَّل من قبل الجماعات الثورية. فكل ما تستطيع هذه الجماعات فعله هو نشر الفكرة عن طريق شرح ضرورة التنظيم المجالسي لرفاقهم العمال.، حين تناضل الطبقة العاملة، بوصفها قوة تقرر مصيرها بنفسها، من أجل الحرية. إن المجالس هي شكل التنظيم للجماهير المناضلة، وللطبقة العاملة ككل، لا للجماعات الثورية.
إنها تنشأ وتنمو مع أول عمل يتخذ طابعاً ثورياً. ومع تطور الثورة، تتعاظم أهميتها ووظائفها. في البداية قد تظهر كلجان إضراب بسيطة، في معارضة قادة العمال حين تتجاوز الإضرابات ما أراده القادة، وتتمرد على النقابات وقادتها.
في الإضراب الشامل، تتسع وظائف هذه اللجان. الآن يصبح على مندوبي جميع المصانع والمعامل أن يناقشوا ويقرروا كافة شروط النضال؛ وسيحاولون ضبط كل الطاقة النضالية للعمال وصياغتها في تحركات مدروسة بوعي؛ وعليهم أن يحددوا كيفية الرد على إجراءات الحكومات، وعلى أفعال الجنود أو عصابات الرأسماليين. ومن خلال فعل الإضراب هذا نفسه، يتخذ العمال بأنفسهم القرارات الحقيقية. في المجالس، تتركز وتتحد آراء جميع هذه الجماهير وإرادتها واستعدادها وترددها أو حماستها وطاقتها والعقبات التي تواجهها، في خط عمل مشترك. إنهم رموز سلطة العمال، وممثلوها؛ لكنهم في الوقت نفسه ليسوا سوى الناطقين باسمهم الذين يمكن استبدالهم في أية لحظة. فهم في لحظة ما خارجون عن القانون في نظر العالم الرأسمالي، وفي اللحظة التالية يضطرون للتعامل كوكلاء ند مع كبار موظفي الحكومة.
عندما تبلغ الثورة من القوة حدًا يُؤثر بشكلٍ خطير على سلطة الدولة، يتعين على مجالس العمال الاضطلاع بالمهام السياسية. في الثورة السياسية، تُعد هذه وظيفتها الأولى والرئيسية. فهي الهيئات المركزية لسلطة العمال، وعليها اتخاذ كافة التدابير لإضعاف الخصم وهزيمته. وكقوةٍ في حالة الحرب، عليها أن تحرس البلاد بأسرها، وأن تُسيطر على جهود الطبقة الرأسمالية في حشد قواتها وإعادة بنائها وإخضاع العمال. كما يتعين عليها الاهتمام بعددٍ من الشؤون العامة التي كانت في الأصل من اختصاص الدولة: الصحة العامة، والأمن العام، واستمرار الحياة الاجتماعية دون انقطاع. وعليها أيضًا الاهتمام بالإنتاج نفسه؛ وهو المهمة الأهم والأصعب التي تُشغل الطبقة العاملة في الثورة.
لم تبدأ أي ثورة اجتماعية في التاريخ بمجرد تغيير الحكام السياسيين الذين، بعد استيلائهم على السلطة السياسية، أجروا التغييرات الاجتماعية اللازمة بواسطة قوانين جديدة. بل قبل وأثناء النضال، شيدت الطبقة الصاعدة مؤسساتها الاجتماعية الجديدة كأغصان جديدة تنبت داخل القشرة الميتة للكائن السابق. ففي الثورة الفرنسية، أنشأت الطبقة الرأسمالية الجديدة، من مواطنين ورجال أعمال وحرفيين، في كل مدينة وقرية مجالسهم المحلية، ومحاكمهم الجديدة، التي كانت غير قانونية آنذاك، مستوليةً على وظائف موظفي النظام الملكي العاجزين. وبينما كان مندوبوهم في باريس يناقشون الدستور الجديد ويضعونه، كان الدستور الفعلي يُصاغ في جميع أنحاء البلاد من قبل المواطنين الذين يعقدون اجتماعاتهم السياسية، ويبنون مؤسساتهم السياسية التي أصبحت فيما بعد قانونية.
وبالمثل، خلال الثورة البروليتارية، تُنشئ الطبقة الصاعدة الجديدة أشكالاً تنظيمية جديدة تحل تدريجياً، في خضم الثورة، محل تنظيم الدولة القديم. وتحل مجالس العمال، بوصفها الشكل الجديد للتنظيم السياسي، محل النظام البرلماني، وهو الشكل السياسي للحكم الرأسمالي.
2.
تعتبر الديمقراطية البرلمانية، لدى المنظّرين الرأسماليين وكذلك لدى الاشتراكيين الديمقراطيين، الديمقراطيةَ المثالية المتوافقة مع العدل والمساواة. لكنها في الواقع ليست سوى قناع للهيمنة الرأسمالية، وهي مناقضة للعدل والمساواة. إن نظام المجالس هو وحده ديمقراطية العمال الحقيقية.
الديمقراطية البرلمانية ديمقراطية زائفة. يُسمح للشعب بالتصويت مرة كل أربع أو خمس سنوات لاختيار مندوبيه؛ ويلٌ لهم إن لم يختاروا الشخص المناسب. فقط في صناديق الاقتراع يستطيع الناخبون ممارسة سلطتهم؛ وبعد ذلك يصبحون عاجزين. المندوبون المنتخبون هم حكام الشعب؛ يسنّون القوانين ويشكلون الحكومات، وعلى الشعب أن يطيعهم. عادةً، وبآلية الانتخابات، لا تملك فرصة الفوز إلا الأحزاب الرأسمالية الكبرى بأجهزتها القوية، وصحفها، وإعلاناتها الصاخبة. نادرًا ما تتاح الفرصة للممثلين الحقيقيين عن الفئات الساخطة للفوز ببضعة مقاعد.
في نظام السوفياتات، يمكن عزل أي مندوب في أي لحظة. لا يقتصر الأمر على تواصل العمال المستمر مع المندوب، ومناقشتهم واتخاذ قراراتهم بأنفسهم، بل إن المندوب ليس سوى رسول مؤقت إلى جمعيات المجالس. يستنكر السياسيون الرأسماليون هذا الدور "المجرد من الشخصية" للمندوب، إذ قد يضطر إلى التحدث ضد رأيه الشخصي. يتناسون أنه حتى لو لم يكن هناك مندوبون ثابتون، فلن يُرسل إلا من تتوافق آراؤهم مع آراء العمال أنفسهم.
يقوم مبدأ التمثيل البرلماني على أن يتصرف المندوب في البرلمان ويصوت وفقًا لضميره وقناعته. وإذا ما استطلع آراء ناخبيه في مسألة ما، فذلك من باب الحرص والحكمة. فالقرار ليس بيد الشعب، بل بيده هو، وبمسؤوليته الشخصية. أما مبدأ نظام السوفياتات فهو عكس ذلك تمامًا؛ إذ لا يعبر المندوبون إلا عن آراء العمال.
في انتخابات البرلمان، يتم تجميع المواطنين وفقًا للدوائر الانتخابية والمقاطعات؛ أي وفقًا لمكان إقامتهم. يتم دمج أشخاص ينتمون إلى مهن أو طبقات مختلفة، الذين لا يجمعهم سوى أنهم يقيمون، بحكم الصدفة، متجاورين، في مجموعة مصطنعة يجب أن يمثلها مندوب واحد.
في المجالس، يُمثَّل العمال في مجموعاتهم الطبيعية، وفقًا للمصانع والورش والمعامل. يشكل عمال مصنع واحد أو معمل كبير وحدة إنتاج؛ إنهم ينتمون إلى بعضهم بعضًا من خلال عملهم الجماعي. في فترات الثورة، يكونون على اتصال مباشر لتبادل الآراء؛ إذ يعيشون تحت نفس الظروف ولهم نفس المصالح. يجب أن يتحركوا معًا؛ فالمصنع هو الوحدة التي يجب عليها، كوحدة واحدة، أن تُضرب أو تعمل وعلى عمالها أن يقرروا ما يتوجب عليهم فعله جماعيًا. لذا فإن تنظيم العمال وتفويضهم في المصانع والورش هو الشكل الضروري.
وهو في الوقت نفسه مبدأ تمثيل النظام الشيوعي الناشئ في خضم الثورة. فالإنتاج هو أساس المجتمع، أو بالأحرى، هو مضمونه وجوهره؛ ومن ثم فإن نظام الإنتاج هو في الوقت نفسه نظام المجتمع. المصانع هي وحدات العمل، وهي الخلايا التي يتكون منها كيان المجتمع. وتتعلق المهمة الرئيسية للهيئات السياسية، التي ليست سوى الهيئات التي تدير المجتمع برمته، بالعمل الإنتاجي للمجتمع. ومن البديهي أن يناقش العمال هذه المسائل في مجالسهم ويختاروا مندوبيهم، المجتمعين في وحدات إنتاجهم.
مع ذلك، لا ينبغي لنا أن نعتقد أن النظام البرلماني، بوصفه الشكل السياسي للرأسمالية، لم يُؤسس على الإنتاج. فالتنظيم السياسي دائمًا ما يتكيف مع طبيعة الإنتاج كأساس للمجتمع. والتمثيل، بحسب مكان السكن، ينتمي إلى الإنتاج الرأسمالي الصغير، حيث يُفترض أن كل فرد يمتلك مشروعه التجاري الصغير. ثمّة صلة متبادلة بين جميع أصحاب الأعمال هؤلاء في مكان واحد، يتعاملون فيما بينهم، ويعيشون كجيران، ويعرفون بعضهم بعضًا، وبالتالي يرسلون مندوبًا واحدًا مشتركًا إلى البرلمان. كان هذا أساس النظام البرلماني. وقد رأينا لاحقًا أن نظام التفويض البرلماني هذا أثبت أنه النظام الأمثل لتمثيل مصالح الطبقات المتنامية والمتغيرة داخل النظام الرأسمالي.
في الوقت نفسه، بات واضحًا الآن لماذا كان على المندوبين في البرلمان تولي السلطة السياسية. لم تكن مهمتهم السياسية سوى جزء صغير من مهمة المجتمع. أما الجزء الأهم، وهو العمل الإنتاجي، فكان مهمة شخصية لكل منتج على حدة، أي المواطنين بوصفهم أصحاب أعمال؛ إذ تطلب هذا العمل كل طاقتهم واهتمامهم تقريبًا. حين انشغل كل فرد بمجاله الصغير، سار المجتمع ككل على الطريق الصحيح. يمكن ترك القواعد العامة التي يسنها القانون، والشروط الضرورية، بلا شك، ولكن على نطاق ضيق، لفئة أو مهنة خاصة، وهم السياسيون. أما في الإنتاج الشيوعي، فالوضع معكوس. هنا، الأمر الأهم، وهو العمل الإنتاجي الجماعي، هو مهمة المجتمع ككل؛ فهو يهم جميع العمال بشكل جماعي. لا يتطلب عملهم الشخصي كل طاقتهم واهتمامهم؛ بل يتجه تفكيرهم نحو المهمة الجماعية للمجتمع. لا يمكن ترك التنظيم العام لهذا العمل الجماعي لفئة معينة من الأشخاص؛ فهو مصلحة حيوية لجميع العمال.
ثمة فرق آخر بين النظام البرلماني ونظام السوفياتات. ففي الديمقراطية البرلمانية، يُمنح كل رجل بالغ، وأحيانًا امرأة، صوتًا واحدًا استنادًا إلى حقه الفطري بوصفه منتميًا إلى الجنس البشري، كما يُصاغ ذلك بكل بلاغة في الخطب الإحتفالية. أما في السوفياتات، فلا يُمثَّل إلا العمال. فهل يُمكن القول إذًا إن نظام المجالس ديمقراطي حقًا إذا كان يستبعد الطبقات الأخرى من المجتمع؟
يجسد نظام المجالس ديكتاتورية البروليتاريا. أوضح ماركس وإنجلز، قبل أكثر من نصف قرن، أن الثورة الاجتماعية ستؤدي إلى ديكتاتورية الطبقة العاملة كشكل سياسي تالٍ، وأن هذا ضروري لإحداث التغييرات الضرورية في المجتمع. حاول الاشتراكيون، الذين اقتصر تفكيرهم على التمثيل البرلماني، تبرير أو انتقاد انتهاك الديمقراطية وظلم استبعاد الأفراد تعسفياً من الانتخابات لانتمائهم إلى طبقات معينة. واليوم، نرى كيف أن تطور الصراع الطبقي البروليتاري يُنتج بشكل طبيعي أجهزة هذه الديكتاتورية، وهي السوفياتات.
ولا يُعد ذلك، بأي حال، انتهاكًا للعدالة، أن المجالس، بوصفها مراكز نضال الطبقة العاملة الثورية، لا تضم ممثلين عن الطبقة المناوئة. ولا يختلف الأمر بعد ذلك. ففي مجتمع شيوعي صاعد، لا مكان للرأسماليين؛ عليهم أن يختفوا، وسيختفون. كل من يشارك في العمل الجماعي هو عضو في الجماعة ويشارك في إتخاذ القرارات. أما من يقفون خارج عملية الإنتاج الجماعي، فهم، بحكم هيكلية نظام المجالس، مستبعدون تلقائيًا من التأثير فيها. وما تبقى من المستغلين واللصوص السابقين لا صوت لهم في تنظيم الإنتاج الذي لا يشاركون فيه.
توجد في المجتمع فئات أخرى لا تنتمي مباشرةً إلى الطبقتين الرئيسيتين المتنازعتين: صغار المزارعين، والحرفيون المستقلون، والمثقفون. قد يتذبذبون في النضال الثوري، لكنهم عمومًا ليسوا ذوي أهمية كبيرة، لأن قدرتهم النضالية أضعف. وغالبًا ما تختلف أشكال تنظيمهم وأهدافهم. وسيكون من شأن الطبقة العاملة المناضلة، وغالبًا ما يكون ذلك مسألة تكتيكية معقدة، كسبهم أو تحييدهم، إن أمكن دون عرقلة الأهداف الأساسية، أو محاربتهم بحزم عند الضرورة، وتحديد كيفية التعامل معهم بإنصاف وحزم. في نظام الإنتاج، طالما أن عملهم مفيد وضروري، سيجدون مكانهم وسيمارسون نفوذهم وفقًا لمبدأ أن لمن يقوم بالعمل الصوت الحاسم في تنظيمه.
قبل أكثر من نصف قرن، قال إنجلز إن الدولة ستختفي من خلال الثورة البروليتارية؛ فبدلاً من حكم الناس، سيحلّ محله إدارة الشؤون. قيل هذا في وقت لم يكن فيه تصور واضح لكيفية وصول الطبقة العاملة إلى السلطة. واليوم، نرى صحة هذا القول مؤكدة. ففي خضم الثورة، ستُدمر سلطة الدولة القديمة، وستضطلع الهيئات التي ستحل محلها، وهي مجالس العمال، بوظائف سياسية هامة مؤقتًا لقمع بقايا السلطة الرأسمالية. إلا أن وظيفتها السياسية في الحكم ستتحول تدريجيًا إلى وظيفة اقتصادية بحتة، تتمثل في إدارة عملية الإنتاج الجماعي للسلع لتلبية احتياجات المجتمع.
جيه إتش